أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
166
التوحيد
[ اختلاف الفرق في أفعال الخلق ] قال الفقيه رحمه اللّه : اختلف منتحلو الإسلام في أفعال الخلق ، فمنهم من جعلها لهم مجازا ، وحقيقتها للّه بأوجه : أحدها وجوب إضافتها إلى اللّه ، على ما أضيف إليه خلق كل شيء في الجملة ، فلم يجز أن يكون الإضافة إلى اللّه مجازا ؛ لأنه الفاعل الحق والقادر الذي لا يعجزه شيء ، وفي ذلك إخراج عن قدرته وإزالة عن حقيقة فعله . وقد أضيف كثير مما لا يشك على أن اللّه هو منشئه إلى العباد بالحرف الذي هو حرف العبادة عن الأفعال كالموت والحياة ، والطول والقصر ، والحركة والسكون ، والاجتماع والتفرق ، واللّه سبحانه لكل ذلك فاعل ، وعلى كله قادر ، فمثله ما ذكرنا . وإضافة ذلك في القرآن ظاهر . وذهب هؤلاء في التعذيب ونحو ذلك إلى أن له الخلق والأمر بكليته ، له في ذلك ما شاء ، على ما قدر كل مالك في ملكه ما له فيه ، وإن كان ذلك كله على هذا القول مجازي . والثاني أن بتحقيق الفعل لغيره تشابها في الفعل ، وقد نفى اللّه ذلك بقوله : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [ الرعد : 16 ] ، وإذا لم يكن حقيقة الأملاك في الجواهر وفي الإلزام يقع تشابه في الملك ، فمثله في الأفعال . وأيضا أنه لو جعل للعبد إيجاد وإخراج من العدم لكان في معنى / " خلق " ، فيلزم اسم " خالق " ، وذلك مما أباه الجميع ؛ حيث قالوا : لا خالق إلا اللّه . قال الشيخ رحمه اللّه : وعندنا لازم تحقيق الفعل لهم بالسمع والعقل والضرورة التي يصير دافع ذلك مكابرا فأمّا السمع فله وجهان : الأمر به والنهي عنه ، والثاني الوعيد فيه والوعد له ، على تسمية ذلك في كل هذا فعلا ، من نحو قوله : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت : 40 ] ، وقوله : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [ الحج : 77 ] ، وفي الجزاء يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ [ البقرة : 167 ] ، وقوله : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الواقعة : 24 ] ، وقوله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ الزلزلة : 7 ] ، وغير ذلك ما أثبت لهم أسماء العمال ، ولفعلهم أسماء الفعل بالأمر والنهي والوعد والوعيد ، وليس في الإضافة إلى اللّه سبحانه نفي ذلك ، بل هي للّه ، بأن خلقها على ما هي عليه ، وأوجدها بعد أن لم تكن ، وللخلق على ما كسبوها وفعلوها . على أن اللّه إذ أمر ونهى ، ومحال الأمر بما لا فعل فيه للمأمور أو المنهي ، قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] ، ولو جاز